حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

216

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

تمنع الشياطين من الوصول إلى الفلك حين الاستراق ؟ وأجيب بأن البعد عندنا غير مانع من السماع فلعله تعالى أجرى عادته بأنهم إذا وقعوا في تلك المواضع سمعوا كلام الملائكة . آخر : لو كان يمكنهم نقل أخبار الملائكة إلى الكهنة فكيف لم يقدروا على نقل أسرار المؤمنين إلى الكفار ؟ وأجيب بأنه تعالى أقدرهم على شيء وأعجزهم عن شيء ولا يسأل عما يفعل . وأقول : لعل السبب فيه أن نسبتهم إلى الروحانيات أكثر . آخر : إذا جوّزتم في الجملة اطلاع الجن على بعض المغيبات فقد ارتفع الوثوق عن إخبار النبي صلى اللّه عليه وسلم عن بعض الغيوب فلا يكون دليلا على صدقه . لا يقال : إنه تعالى أخبر أنهم عجزوا عن ذلك بعد مولد النبي صلى اللّه عليه وسلم لأنا نقول : صدق هذا الكلام مبني على صحة نبوّته ، فلو أثبتنا صحة نبوّته به لزم الدور ؟ والجواب : أنا نعرف صحة نبوّته بدلائل أخر حتى لا يدور ، ولكن لا ريب أن إخباره عن بعض المغيبات مؤكد لنبوّته وإن لم يكن مثبتا لها . الدليل الرابع : قوله وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وقد مرّ تفسير مثله في أوّل سورة الرعد . الدليل الخامس قوله : وَأَنْبَتْنا فِيها أي في الأرض أو في الجبال الرواسي مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ بميزان الحكمة ومقدر بمقدار الحاجة ، وذلك أن الوزن سبب معرفة المقدار فأطلق اسم السبب على المسبب . وقيل : أي له وزن وقدر في أبواب النعمة والمنفعة . وقيل : أراد أن مقاديرها من العناصر معلومة وكذا مقدار تأثير الشمس والكواكب فيها . وقيل : أي مناسب أي محكوم عليه عند العقول السليمة بالحسن واللطافة . يقال : كلام موزون أي مناسب ، وفلان موزون الحركات . وقيل : أراد ما يوزن من نحو الذهب والفضة والنحاس وغيرها من الموزونات كأكثر الفواكه والنبات . وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها أي في الأرض أو في تلك الموزونات مَعايِشَ ما يتوصل به إلى المعيشة وقد مر في أول « الأعراف » . وَمَنْ عطف على معايش أي جعلنا لكم من لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ أو عطف على محل لكم لا على المجرور فقط فإنه لا يجوز في الأكثر إلا بإعادة الجار والتقدير : وجعلنا لكم معايش لمن لستم له برازقين ، وأراد بهم العيال والمماليك والخدم الذين رازقهم في الحقيقة هو اللّه تعالى وحده لا الآباء والسادات والمخاديم ، ويدخل فيه بحكم التغليب غير ذوي العقول في الأنعام والدواب والوحش والطير كقوله : وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي